السيد محمدحسين الطباطبائي

93

الإعجاز والتحدى في القرآن الكريم

الرسول له وادعائه العلم به لنفسه مخالف لظاهر القرآن : أن التأويل غير المعنى المراد بالمتشابه على ما عرفت فيما مرّ . والذي ينبغي أن يقال : أن القرآن يدل على جواز العلم بالتأويل لغيره تعالى وأما هذه الآية فلا دلالة لها على ذلك . أما الجهة الثانية فلما مرّ في البيان السابق : أن الآية بقرينة صدرها وذيلها وما تتلوها من الآيات إنما هي في مقام بيان انقسام الكتاب إلى المحكم والمتشابه ، وتفرق الناس في الأخذ بها فهم بين مائل إلى اتباع المتشابه لزيغ في قلبه وثابت على اتباع المحكم والإيمان بالمتشابه لرسوخ في علمه ، فإنما القصد الأول في ذكر الراسخين في العلم بيان حالهم وطريقتهم في الأخذ بالقرآن ومدحهم فيه قبال ما ذكر من حال الزائغين وطريقتهم وذمهم ، والزاهد على هذا القدر خارج عن القصد الأول ولا دليل على تشريكهم في العلم بالتأويل مع ذلك إلّا وجوه غير تامة تقدمت الإشارة إليها ، فيبقى الحصر المدلول عليه بقوله تعالى : وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ من غير ناقض ينقضه من عطف واستثناء وغير ذلك . فالذي تدل عليه الآية هو انحصار العلم بالتأويل فيه تعالى واختصاصه به . لكنه لا ينافي دلالة دليل منفصل يدل على علم غيره تعالى به بإذنه كما في نظائره مثل العلم بالغيب ، قال تعالى : قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ « 1 » وقال تعالى : إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ « 2 » ، وقال تعالى : وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ « 3 » ، فدل جميع ذلك على الحصر ثم قال تعالى : عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً . إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ « 4 » فأثبت ذلك لبعض من هو غيره وهو من ارتضى من رسول ، ولذلك نظائر في القرآن . وأما الجهة الأولى - وهي أن القرآن يدل على جواز العلم بتأويله لغيره

--> ( 1 ) النمل - 65 . ( 2 ) يونس - 20 . ( 3 ) الأنعام - 59 . ( 4 ) الجن - 26 و 27 .